السعيد شنوقة

238

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

حين انطلق من اللغة في أن « الإيمان إفعال من الأمن ، يقال أمنته وآمننيه غيري ثم يقال آمنه : إذا صدّقه ، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة » « 1 » ثم تساءل عن الإيمان الصحيح في ضوء ذلك ؛ فقيّد الإيمان بالصحيح ليحترز عن إيمان الفاسق ثم يجيب بأن الإيمان « أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعلمه » « 2 » وأضاف أن « من أخلّ بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق ومن أخلّ بالشهادة فهو كافر ومن أخلّ بالعمل فهو فاسق » « 3 » . إن صاحب الكبيرة إذا غادر الدنيا بلا توبة فهو كافر عند الخوارج ولكنّ المرجئة عدّوه مؤمنا بينما منحه واصل بن عطاء منزلة بين الإيمان والكفر . وقد نص الزمخشري عليه بقوله : « ومن أخلّ بالعمل فهو فاسق » . أما أهل السنة والجماعة فقالوا بصحة إسلام الفريقين المتحاربين باعتبار الأصل السياسي للتسمية . ولا ريب في أنّ هذه الأحكام السالفة تمثّل في الواقع حلولا لمسألة عقلية أثارتها واقعتا الجمل وصفين إن لم تكن أثيرت قبل ذلك في ذاك الجدل حول صاحب المعصية « 4 » ، ثم ما لبثت هذه الحلول تمثل مذاهب فكرية للخوارج والمعتزلة وأهل السنة فيما بعد « 5 » . ويهمنا هاهنا في « الفاسق » موقف المعتزلة والزمخشري بالذات ؛ فهو غير مؤمن لأنه لم يتوفر على شروط الإيمان التي هي اعتقاد بالقلب وشهادة وإقرار باللسان وعمل الأركان . والمعتزلة يتأولون الآيات الدالة على التشبيه أو تلك التي لا تليق بمقام الألوهية ويحملونها على ما هو أبعد عن التجسيم وعلى ما هو أليق بمقام الله عز وجل ، وهم في هذا ساروا على الطريقة التي أسسها أبو علي الجبائي « 6 » ، يسيرون فيها على اللغة مع الاستشهاد بالشعر لعربي القديم ؛ لذا قال الزمخشري في قوله سبحانه :

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 126 . ( 2 ) م ن ، ج 1 ، ص 128 - 129 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 129 . ( 4 ) انظر د . زكي نجيب محمود ، المعقول واللامعقول ، دار الشروق ، القاهرة ، بيروت ، ط 1 ، ص 63 . ( 5 ) دلّ الأول على تطرف إلى اليسار زعم فيه أن مقاتلي علي بمن في ذلك عائشة وطلحة والزبير كل منهم كافر ؛ وهم الخوارج . ومثّل الثاني موقفا معتدلا وهو ذلك الذي اتخذه واصل بن عطاء . والثالث : أهل السنة والجماعة الذين قالوا بإسلام الفريقين المتحاربين في معركتي الجمل وصفين . انظر م ن ، ص 68 - 69 ( 6 ) انظر د . محمود كامل أحمد ، مفهوم العدل في تفسير المعتزلة للقرآن الكريم ، ص 81 - 82 .